هل يتراجع التقدم في الصحة العالمية؟

على الرغم من عقود من الجهود المتفانية، فإن العالم بعيد بشكل مقلق عن تحقيق أهدافه الصحية للتنمية المستدامة (SDGs) بحلول عام 2030. يكشف تقييم جديد صارخ من منظمة الصحة العالمية (WHO)، مفصل في تقريرها الأخير "إحصائيات الصحة العالمية 2026"، عن اتجاه مقلق: مكاسب الصحة العالمية لا تتباطأ فحسب، بل تتراجع بنشاط في بعض المجالات الحيوية.
لمحة مقلقة عن الصحة العالمية
يرسم التقرير صورة قاتمة، ويسلط الضوء على عدم المساواة المستمر والنكسات الكبيرة عبر مؤشرات صحية مختلفة. لقد توقف التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة (UHC)، حيث ارتفع مؤشر تغطية الخدمات الصحية الشاملة العالمي بشكل طفيف فقط من 68 إلى 71 بين عامي 2015 و 2023. وهذا يعني أن ربع سكان العالم واجهوا صعوبات مالية بسبب التكاليف الصحية، وأن 1.6 مليار شخص دفعوا إلى الفقر بسبب النفقات الصحية من جيوبهم الخاصة في عام 2022.
- تطعيمات الأطفال: لا تزال التغطية أقل من الهدف، مما يؤدي إلى فجوات في المناعة ويساهم في تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
- وفيات الأمهات والأطفال: بينما انخفضت وفيات الأمهات العالمية بنسبة 40% منذ عام 2000، إلا أنها لا تزال أعلى بثلاث مرات تقريبًا من هدف 2030. وانخفضت وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 51%، ومع ذلك فإن العديد من البلدان ليست على المسار الصحيح.
- الأمراض غير المعدية (NCDs): تباطأ التقدم في الحد من الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية بشكل كبير منذ عام 2015. وقد اعترفت جمعية الصحة العالمية مؤخرًا بمرض الكبد الدهني (SLD) كتحدٍ رئيسي ومتزايد للأمراض غير المعدية، حيث يصيب ما يقدر بنحو 1.7 مليار شخص في جميع أنحاء العالم.
محركات التراجع
تساهم عدة عوامل مترابطة في هذا التراجع المقلق:
"تخبرنا هذه البيانات قصة عن التقدم وعدم المساواة المستمر، حيث لا يزال العديد من الأشخاص - وخاصة النساء والأطفال والمجتمعات المحرومة - محرومين من الظروف الأساسية لحياة صحية." — الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية
- الضغوط المالية: تقلص تمويل الصحة العالمية بشكل حاد، حيث انخفض إلى ما دون مستويات عام 2016 في عام 2025، مما أدى إلى تفاقم انهيار الأنظمة الصحية في حالات الأزمات. وقد أدى هذا الانخفاض في المساعدات من البلدان ذات الدخل المرتفع إلى الدول ذات الدخل المنخفض إلى تعطيل الخدمات الأساسية من مراقبة الأمراض إلى رعاية الأمومة.
- المخاطر البيئية: تستمر المخاطر البيئية المتزايدة، بما في ذلك تلوث الهواء (الذي ساهم في وفاة ما يقدر بنحو 6.6 مليون شخص في عام 2021) وعدم كفاية المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH) (المرتبط بوفاة 1.4 مليون شخص في عام 2019)، في التسبب في اعتلال الصحة. كما أن تغير المناخ يعيد تشكيل جغرافيا الأمراض التي تنتشر عن طريق البعوض، مما يؤدي إلى المزيد من تفشي حمى الضنك والملاريا والفيروسات المنقولة بالمفصليات الأخرى.
- الطوارئ الصحية والصراعات: تفرض الصراعات والأزمات الإنسانية الطويلة الأمد، مثل تلك التي تحدث في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان وأوكرانيا، ضغوطًا هائلة على الأنظمة الصحية الهشة، مما يعطل سلاسل الإمداد ويجبر العاملين في مجال الصحة على الفرار. ويؤكد تفشي الإيبولا الأخير في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، والذي أُعلن عنه كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، على هذه المخاطر المستمرة.
- فجوات البيانات: يسلط التقرير الضوء على فجوات كبيرة في البيانات، حيث تفشل العديد من البلدان في الإبلاغ عن بيانات الوفيات وأسباب الوفاة في الوقت المناسب وبجودة عالية، مما يعيق التقييم الفعال والإجراءات المستهدفة.
دعوة للعمل العاجل
استجابة لهذه النتائج، أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على الحاجة الملحة للعمل. ودعا إلى تعزيز الرعاية الصحية الأولية، والاستثمار في الوقاية، وتأمين التمويل المستدام لبناء أنظمة صحية مرنة. وتركز المنظمة أيضًا على مبادرات مثل توسيع نطاق التدخلات النفسية للمساعدة الذاتية لتوسيع الوصول إلى الرعاية الصحية العقلية ودمج الفحوصات الصحية البدنية في الرعاية النفسية لمعالجة فجوة الوفيات للأفراد المصابين بالفصام.
إن الطريق إلى تحقيق الأهداف الصحية لعام 2030 محفوف بالتحديات، لكن تقرير منظمة الصحة العالمية بمثابة دعوة حاسمة للاستيقاظ. فهل يستجيب القادة العالميون لهذا التحذير ويجددون التزامهم بمستقبل أكثر صحة وإنصافًا للجميع؟


