كيف أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والمسح ثلاثي الأبعاد حراس التراث المصري الثمين

الثورة الرقمية تحمي الروح المصرية القديمة
تخيل عالماً لم تعد فيه رمال الزمن والتلوث وحتى لمسة الإنسان تهدد كنوز مصر التي تعود لآلاف السنين. هذا ليس خيالاً مستقبلياً؛ بل هو الواقع الرائد الذي يتكشف اليوم، حيث تحتضن مصر أحدث التقنيات لحماية تراثها الثقافي الثمين.
عصر جديد للحفظ: الأرشيف الرقمي للتراث المصري
في طليعة هذه القفزة التكنولوجية يأتي الأرشيف الرقمي للتراث المصري الطموح، وهو مشروع مخصص لإنشاء سجلات رقمية شاملة للثروة الثقافية الهائلة للأمة. تستخدم هذه المبادرة، وهي جهد تعاوني مع المكتبة الوطنية الفرنسية وخبراء الترميم الإيطاليين، أحدث تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد والتصوير الفوتوغرافي والفهرسة المعززة بالذكاء الاصطناعي للحفاظ على آلاف القطع الأثرية والمخطوطات والمواقع الأثرية للأجيال القادمة.
يهدف المشروع إلى رقمنة أكثر من 50 ألف قطعة أثرية من المتاحف والمواقع الأثرية المصرية، وإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد عالية الدقة للمعالم التاريخية الكبرى، وبناء قاعدة بيانات متاحة عبر الإنترنت للباحثين والجمهور في جميع أنحاء العالم.
التأثير المتوقع عميق: حفظ دائم للكنوز الثقافية التي لا يمكن تعويضها، وإتاحة عالمية للتعليم والبحث، وتعزيز السياحة من خلال الجولات الافتراضية، وتقوية الروابط الثقافية مع الشركاء الدوليين.
رؤية المتحف المصري الكبير الرقمية
حتى المتحف المصري الكبير (GEM) يلعب دوراً رئيسياً في هذا التحول الرقمي. فبينما كان افتتاحه الكامل حدثاً مرتقباً للغاية، يعمل المتحف بنشاط على تطوير حلول للحفظ الرقمي للتراث الثقافي المصري. وقد عقد المتحف شراكة مع مؤسسات دولية مثل جايكا لإنشاء مركز للحفظ مجهز بأحدث التقنيات لتوثيق وترميم مجموعاته الواسعة. بين عامي 2008 و 2023، نجح فريق قاعدة بيانات المتحف المصري الكبير في رقمنة أكثر من 85 ألف سجل، مما يؤكد التزام المتحف بالاستدامة الرقمية.
شراكات عالمية لتراث دائم
تتعزز هذه الجهود بالتعاون الدولي الكبير. فقد استثمرت الحكومة الأمريكية، على سبيل المثال، أكثر من 140 مليون دولار في جهود الحفاظ على التراث الثقافي في مصر على مدى العقود الثلاثة الماضية، بما في ذلك المشاريع التي نفذها المركز الأمريكي للأبحاث في مصر (ARCE). وبالمثل، أبرمت اليونسكو والمتحف القومي للحضارة المصرية (NMEC) اتفاقية شراكة تنفيذية لتعزيز قدرات المتحف القومي للحضارة المصرية في مجالات مثل ممارسات الحفظ وجمع التبرعات وقدرات تكنولوجيا المعلومات. وقد أكدت وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، مؤخراً على أهمية هذه التعاونات الدولية خلال محاضرة في متحف اللوفر بباريس، مسلطة الضوء على الرابط الثقافي بين مصر وفرنسا في الحفاظ على التراث المشترك.
السينما المصرية: إرث ثقافي حديث على المسرح العالمي
لا تقتصر الرواية الثقافية المصرية على عجائبها القديمة فحسب، بل تشهد فنونها المعاصرة النابضة بالحياة تقدماً عالمياً كبيراً. وتستمر السينما المصرية، وهي أقدم وأكبر صناعة سينمائية في العالم العربي، في كونها سفيراً ثقافياً قوياً.
- حضور مهرجان كان السينمائي: سجل الجناح المصري حضوراً قوياً في سوق الفيلم بمهرجان كان السينمائي لعام 2026، حيث عمل كمنصة حيوية لربط السينما المصرية والعربية بالمجتمع السينمائي الدولي. تهدف هذه المبادرة المشتركة بين مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وهيئة الفيلم المصري ومهرجان الجونة السينمائي إلى توسيع نطاق وصول الأفلام المصرية والعربية عالمياً.
- تكريم أيقونة سينمائية: في تكريم مؤثر لتراثها السينمائي، اختار مهرجان الغردقة لسينما الشباب ملصق فيلم "الحريف"، وهو عمل شهير للمخرج المصري الكبير محمد خان، ليكون الشعار الرسمي لنسخته الرابعة، المقرر إقامتها في الفترة من 10 إلى 15 سبتمبر. يتزامن هذا القرار مع الذكرى العاشرة لوفاة خان، تكريماً لأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في السينما المصرية الحديثة وتقديم أعماله للأجيال الشابة من خلال قسم جديد مخصص لكلاسيكيات السينما العربية.
من المقابر الصامتة في سقارة إلى السجاد الأحمر الصاخب في كان، تُظهر مصر التزاماً قوياً ومتعدد الأوجه بتراثها. ومن خلال تبني أحدث التقنيات والفنون المعاصرة النابضة بالحياة، تضمن الأمة أن ماضيها الغني وحاضرها الديناميكي سيلهم الأجيال القادمة، في الداخل وعبر العالم.


